الشهيد الثاني
38
رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج )
إلى جَماعة من المجتهدين ، لا يصحّ القول بأنْ نَنْقُلَ فتواهم جميعاً ، بحيث يتخيّر الناقل في أخذ ما شاء منها وطَرْح ما شاء كما يفعله أهلُ عصرنا ، : « يُحِلُّونَهُ عاماً ويُحَرِّمُونَهُ عاماً » ( 1 ) ، ويجعلون منه حلالًا وحراماً لما تَقَرّرَ في الأُصول ( 2 ) ، وذكره كثير من الفقهاء أيضاً في كتب الفروع ( 3 ) ، أنّه مع تعدّد المُفتي يتعيّن الرجوع إلى الأعلمِ ، فإنْ تساوَوْا في العلم فالأورع ، فإنْ تساوَوْا في الجميع تخيّر المستفتي في تقليد أيّهم شاء ، فإذا أخَذَ بقوله في مسألةٍ لم يَجُزْ له الرجوعُ إلى غيره في تلك المسألة . واختلفوا في جواز الرجوع إليه في غير تلك الواقعة . وقد عُلِمَ من ذلك أنّ التديّنَ بتقليد من شاء من الجماعة المختلفين في العلم وغيره بشبهة أنّه قد نقل فتواهم غيرُ جائزٍ في دين الله تعالى ، ولا قال به أحد ممّن يُعْتَمَدُ على قوله منهم . فإنْ قيل : هذا البحث إنّما هو على تقدير حياة المجتهدين كما يظهر من كلام الجماعة فلا يلزم مثلُ ذلك مع موتهم لبطلان القياس . قلنا : من حقّ هذا الدليل أنْ يُعْكَسَ ، ويقالَ : إذا كان هذا الحكم في الأحياء فينبغي أنْ يكون في الأموات بطريقٍ أولى وذلك لأنّا متى التزمنا ومن أين لنا ذلك ؟ بِجواز تقليد الأموات ، فنهاية ما يمكِنُ أنْ يُجْعَلَ حكمُهم حكمَ الأحياء ، فلو جاز تقليد المفضول الميّت مع عدمِ جوازِ تقليدِهِ لو كان حيّاً بالنسبةِ إلى الفاضلِ الحيّ ، كان الميّتُ أحسنَ حالًا ، وأجودَ قولًا ، وأولى اعتماداً ، وهذا ممّا تشهد ببطلانِهِ البديهةُ ، فضلًا عن أنْ يُستَدل عليه ، مع أنّ تقييد الحكم
--> ( 1 ) اقتباس من الآية 37 من سورة التوبة ( 9 ) . ( 2 ) « الذريعة إلى أُصول الشريعة » ج 2 ، ص 801 ، « معارج الأُصول » ص 202 « مبادئ الوصول » ص 249 . وانظر « المقاصد العلية » ص 53 « منية المريد » ص 304 « تمهيد القواعد » ص 321 ، القاعدة 100 . ( 3 ) « الدروس الشرعية » ج 2 ، ص 67 .